محمد بن جرير الطبري
78
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : وأنشدني بعضهم : طلبوا صلحنا ولات أوان * فأجبنا أن ليس حين بقاء بخفض " أوان " ؛ قال : وتكون لات مع الأوقات كلها . واختلفوا في وجه الوقف على قراءة : لاتَ حِينَ فقال بعض أهل العربية : الوقف عليه ولات بالتاء ، ثم يبتدأ حين مناص ، قالوا : وإنما هي " لا " التي بمعنى : " ما " ، وإن في الجحد وصلت بالتاء ، كما وصلت ثم بها ، فقيل : ثمت ، وكما وصلت رب فقيل : ربت . وقال آخرون منهم : بل هي هاء زيدت في لا ، فالوقف عليها لاه ، لأنها هاء زيدت للوقف ، كما زيدت في قولهم : العاطفونة حين ما من عاطف * والمطعمونة حين أين المطعم فإذا وصلت صارت تاء . وقال بعضهم : الوقف على " لا " ، والابتداء بعدها تحين ، وزعم أن حكم التاء أن تكون في ابتداء حين ، وأوان ، والآن ؛ ويستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر : تولي قبل يوم سبي حمانا * وصلينا كما زعمت تلانا وأنه ليس هاهنا " لا " فيوصل بها هاء أو تاء ؛ ويقول : إن قوله : لاتَ حِينَ إنما هي : ليس حين ، ولم توجد لات في شيء من الكلام . والصواب من القول في ذلك عندنا : أن " لا " حرف جحد كما وإن وصلت بها تصير في الوصل تاء ، كما فعلت العرب ذلك بالأدوات ، ولم تستعمل ذلك كذلك مع " لا " المدة إلا للأوقات دون غيرها ، ولا وجه للعلة التي اعتل بها القائل : إنه لم يجد لات في شيء من كلام العرب ، فيجوز توجيه قوله : وَلاتَ حِينَ إلى ذلك ، لأنها تستعمل الكلمة في موضع ، ثم تستعملها في موضع آخر بخلاف ذلك ، وليس ذلك بأبعد في القياس من الصحة من قولهم : رأيت بالهمز ، ثم قالوا : فأنا أراه بترك الهمز لما جرى به استعمالهم ، وما أشبه ذلك من الحروف التي تأتي في موضع على صورة ، ثم تأتي بخلاف ذلك في موضع آخر للجاري من استعمال العرب ذلك بينها . وأما ما استشهد به من قول الشاعر : " وكما زعمت تلانا " ، فإن ذلك منه غلط في تأويل الكلمة ؛ وإنما أراد الشاعر بقوله : " وصلينا كما زعمت تلانا " : وصلينا كما زعمت أنت الآن ، فأسقط الهمزة من أنت ، فلقيت التاء من زعمت النون من أنت وهي ساكنة ، فسقطت من اللفظ ، وبقيت التاء من أنت ، ثم حذفت الهمزة من الآن ، فصارت الكلمة في اللفظ كهيئة تلان ، والتاء الثانية على الحقيقة منفصلة من الآن ، لأنها تاء أنت . وأما زعمه أنه رأى في المصحف الذي يقال له " والإمام " التاء متصلة بحين ، فإن الذي جاءت به مصاحف المسلمين في أمصارها هو الحجة على أهل الإسلام ، والتاء في جميعها منفصلة عن حين ، فلذلك اخترنا أن يكون الوقف على الهاء في قوله : وَلاتَ حِينَ القول في تأويل قوله تعالى : وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ يقول تعالى ذكره : وعجب هؤلاء المشركون من قريش أن جاءهم منذر ينذرهم بأس الله على كفرهم به من أنفسهم ، ولم يأتهم ملك من السماء بذلك وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ يقول : وقال المنكرون وحدانية الله : هذا ، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم ، ساحر كذاب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ حدثنا محمد ،